مواضيع مختارة

طبول الحرب في سماء لبنان !! على حسب ما هو متوافر من معلومات حاليا خصوصا  من قبل مصادر تركية تواترت بشأنها التقارير الإعلامية في الفترة الأخيرة،...

اقرء المزيد

أَخْرجوا التاريخ من الدين!! في كل عام و بمناسبة ذكرى عاشوراء، تنتابني تساؤلات كثيرة أبحث لها عن إجابة و لا أقف على حل إذ أنه كان من العسير علي...

اقرء المزيد

جدار العار و منطق الحمار!! بعد مرور عام على العدوان الإسرائيلي الدموي ضد قطاع غزة، وبينما ما يزال الشعب الفلسطيني يعاني من الحصار الذي يحول...

اقرء المزيد

نصائح وقائية من الإنفلونزا! صاحب النص التالي، هو الدكتور فيناي غويال الذي يحظى بشهرة عالمية في مجال طب الطوارئ خصوصا و أنه يعمل مديرا لقسم...

اقرء المزيد

التفكير الإيجابي! لا أقصد من هذا العنوان تلك الموضة الدعوية التي صارت مهنة الكثيرين ففي وسعك أن تطوف العالم لتجد أن ما لا يحصى...

اقرء المزيد

طبول الحرب في سماء لبنان !!

التصنيفات : سياسة

على حسب ما هو متوافر من معلومات حاليا خصوصا  من قبل مصادر تركية تواترت بشأنها التقارير الإعلامية في الفترة الأخيرة، فإن إسرائيل تكون في هذه الأثناء بصدد وضع آخر الروتوشات لشن عدوان جديد ضد لبنان و بالتالي فإن جهات إعلامية شرق أوسطية بشكل خاص، أوردت يومي الأربعاء و الخميس الأخيرين أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان قد أبلغ نظيره اللبناني سعد الحريري بهذا الأمر يوم الاثنين الماضي بمناسبة الزيارة التي قادت الأخير إلى أنقرة حيث تلقى من مضيفه إردوغان عرضا مفصلا لما وصل إلى مصالح الحكومة التركية من معطيات في هذا الشأن خصوصا و أن مصادر الحكومة التركية نفسها أعلمت الرئيس الحريري أنها بذلت جهودا حثيثة في سبيل ثني إسرائيل عن هذا الأمر و لكنها فشلت في ذلك، ما جعلها تتأكد من أن الأمر خرج من إطار التخطيط و صار في موضع انتظار ورود الإشارة الخضراء في المستويين السياسي و العسكري بالدولة العبرية بشكل يدفع إلى الاعتقاد أن الأزمة الأخيرة بين تل أبيب و أنقرة، إنما هي محاولة إسرائيلي لكسب مزيد من الوقت و تفادي الضغوط التركية لا أكثر!
عموما فإنه من الواضح أن طابع البلطجة الذي تقوم عليه السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه محيطها العربي ليس حديثا خصوصا و أن كل المؤشرات تدفع لجهة الاعتقاد أن الساسة الإسرائيليين لن يصبروا طويلا أمام النمو المستمر لترسانة صواريخ حزب الله اللبناني
من ناحية أخرى، قالت صحيفة لوريون لوجور البيروتية أن واشنطن إلى جانب عواصم غربية أخرها وصفتها بالكبرى، باشرت اتصالات رفيعة المستوى لأجل منع حدوث هذا الأمر مثلما نقلت ذلك ذات الصحيفة عن مصادر دبلوماسية إيرانية خصوصا و أن واقع السياسة الأميركية الحالية يبدو و أنه يتجه نحو اجتناب التوتر قصد الإمكان على جانبي الخط الأزرق الذي يفصل الاشتباك بين لبنان و إسرائيل لأنه من الواضح أيضا أن أميركا تنظر إلى المنطقة نظرة أوسع و تربط كل تطور هناك بمدى جدية تقدم ضغوطها على الجانب الإيراني بمعنى أن القيادة العسكرية الأميركية و إن كانت أعلنت قبل أيام على لسان قائد المنطقة الوسطى الجنرال ديفيد بتريوس بأن خارطة بنك الأهداف الإيرانية “قد تحددت” إلا أنها واشنطن مع ذلك، ما زالت ترى أن الخيار السياسي لما يستنفذ بعد جميع أوراقه خصوصا بالتزامن مع الأزمة السياسية التي تعيشها إيران حاليا على الصعيد الداخلي و هي الأزمة التي يرى فيها محللون كثيرون، فرصة لشل الطموحات النووية الإيرانية لأن هذه الأخيرة بحاجة إلى تماسك داخلي يمنحها قوة تواجه بها الضغوط الخارجية على مشاريعها النووية و لعل خبر اغتيال العالم الإيراني مسعود علي محمدي هذا الثلاثاء و إعلان الرئيس محمود أحمدي نجاد أن “إسرائيل هي من تقف من وراء الاغتيال” يعني أن أوراق الضغط ما زالت متوفرة حتى و إن كانت كمثل هذه الحالة الأخيرة، قذرة بكل بساطة!
إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى أن ارتفاع وتيرة القلق هذه كانت هي السبب المباشر وراء الزيارة الأخيرة التي قادت رئيس الدبلوماسية الإيرانية منوتشهر متكي إلى العاصمة السورية دمشق حيث نقلت صحيفة “الجريدة” الكويتية في هذا الشأن، أن الوزير الإيراني تباحث مع كبار المسئولين في حزب الله من بينهم المساعد السياسي للأمين العام للحزب، حسين الخليل و هو اللقاء الذي استغله متكي وفق ذات المصدر دوما، ليقول لمحاوريه أن تقارير كثيرة تتحدث عن اندلاع وشيك لعدوان إسرائيلي جديد ضد لبنان قد يمتد إلى محاولة لضرب المنشآت النووية الإيرانية داعيا الجميع بذات المناسبة، إلى “توخي أقصى درجات اليقظة”

أَخْرجوا التاريخ من الدين!!

التصنيفات : نقد و أفكار

في كل عام و بمناسبة ذكرى عاشوراء، تنتابني تساؤلات كثيرة أبحث لها عن إجابة و لا أقف على حل إذ أنه كان من العسير علي دوما الاعتقاد أن الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم، كان بحاجة إلى يهود المدينة حتى يعرف قصة نبي الله موسى أو موعد نجاته من فرعون هذا على فرض أن الفراعنة كانوا يعتمدون الشهور التي عرفتها العرب (محرم و صفر و غيرها) و لأجل ذلك، طرحت هذا التساؤل على الفيسبوك داعيا إلى ضرورة البحث بشكل علمي و جدي في هذا الموضوع لتأكدي أنني لست الوحيد الذي يراوده هذا الأمر خصوصا و أن التفسيرات الرائجة تحمل في تقديري أيضا، الكثير من المطبات بل والتناقضات الصريحة أحيانا!!
و لأن الموضوع بهذا الشكل يبدو استفزازيا، فلقد تدخل صديقي الدكتور بدران بن الحسن معلقا يقول: “لقد ذهب ظنك بعيدا يا عبد الحق، وكنت أظنك نبيها في هذه الأمور. هل يدل سؤاله على جهله صلى الله عليه وسلم؟ حاشا. وهل يدل وقوع الحدث في محرم أن الفراعنة كانوا يأخذون بالشهور العربية القمرية؟ ألا ترى معي أن السؤال يعني يهود الذين استوطنوا المدينة بعد خروجهم من أرض كنعان كما تقول كتب التاريخ؟ وهم كانوا يحسبون كما كان يحسب العرب” ليضيف: “ألا تظن أنك عممت بسرعة، والتعميم يحتاج استقراء حالات كثيرة تفوق الحصر حتى تخرج بنتيجة وتعممها؟ ألا ترى أن نتيجتك متسرعة قبل التمحيص؟” قبل أن يطلب مني قائلا: “المشكلة ليست في التفسيرات التاريخية وإنما في من بقي مهاجرا في التاريخ بدل أن يستدعي التاريخ لاستخراج العبرة وأخذ السنن التي تحكم سيره وإعمالها في الحاضر لتوجيه المستقبل. فالإنسان تاريخي بطبعه، ولا يستغني عن التاريخ أحد لأننا منتوجات تاريخية. فلو حذفت التاريخ من ذاكرة أحدنا فردا أو مجموعا، صار مثل الآلة الصماء التي تجهل أين تتحرك وكيف تتحرك لو لم نقم بتشغيلها” و هذا كلام لا أحد يقدر على قوله إلا أولئك الذين يملكون مستوى أخي الدكتور بدران خصوصا و أن الرجل متخصص في التاريخ و الفلسفة الإسلامية، بمعنى أنه من النوع الذي لا يناقَش بسهولة!
مع ذلك، أريد القول هنا أيضا مع الاعتذار مسبقا أن هذا التفسير الأخير، يتحاشى أن القصة جاءت في سياق تعبير واضح فسؤال الرسول الكريم جاء بوارد من لا يعلم و يمكن الرجوع إلى الرواية … لأن كلماته صلى الله عليه و سلم، تؤدي إلى معنى من لا يعلم فسأل حتى يعلم و حينما عرف الجواب اتخذ ردا من جنس من تغير مفهومه لشيء و هذه تكررت كثيرا و أجدها موافقة لشبهة من يقولون أنه تعلم مبادئ الدين من اليهود و أهل الكتاب عامة و من ورقة بن نوفل فكيف بمن يأتيه الروح الأمين يسأل أناسا يخبره الوحي أنهم حرفوا الهدي و يحرفون الكلم عن مواضعه؟ فكيف تصح هذه القصة و الرسول الكريم هو نفسه من قال: “لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا فإنكم إما أن تصدقوا بباطل أو تكذبوا بحق فإنه لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني”… أوليس التناقض هنا واضح؟!!…
هذا أولا و ثانيا فإن يهود المدينة هم يهود في نهاية الأمر و كانوا يعتمدون التقويم العبري كما أن المسلمين حاليا في المهجر مثلا، يعتمدون التقويم الهجري لأنه مرتبط بالتزامات دينية و كذلك اليهود، لديهم التزامات دينية يتعين أن تكون مرتبطة بتتبع التقويم و لا يمكن إخضاعها للبيئة و المكان و يمكن البحث في هذا الخصوص حول السنة اليهودية لتجد أخي القارئ، أنها خلط غريب بين الحساب الشمسي و القمري و يمكنك أن ترى ذلك في تقويمهم الحالي….
ثم خذ أيضا السياق الغريب للرواية فالرسول صلى الله عليه و سلم، سألهم ثم اتخذ قرارا ثم يقول الراوي أنه لم يعش إلى السنة التي بعدها ليخالفهم لكأنه مات في السنة الثانية للهجرة أو لكأنه لم يلاحظ الأمر إلا في السنة التاسعة للهجرة و التضارب هنا لا غبار عليه لأن اليهود في آخر عمره صلى الله عليه و سلم، كانوا قد أُخرجوا من الجزيرة و لم يبق منهم إلا عدد قليل جدا يمكن عدهم على الأصابع أما إن كان الأمر قد حدث في أول سنوات الهجرة، فلماذا لم يظهر بعد ذلك على الرغم من أنه يحمل معنى تعبديا واضحا فمن يتحمل مسئولية ذلك إذا؟ …
أعتقد أنه من حقي التساؤل حول هذه القصة من أساسها و من حقي أيضا الشك في صحتها لأن المرويات التاريخية أيضا تقول أن عاشوراء كان يوما تعظمه العرب و لا وجود لمورد تعظيم واحد فالتعظيم كان معلوما و السبب مجهول فهل كان مرد تعظيمها إلى قصة ذبيح الله إسماعيل ابن إبراهيم عليهما السلام؟ هذا ممكن خصوصا و أن الحادثة وقعت في بيئة عربية تحتمل هذا السياق …
أتصور أن التاريخ الإسلامي مليء بكثير من المشكلات التي يتوجب التحلي بالشجاعة لتمحيصها أما الإيمان بها أو عدمه فمردود إلى ضبطها و ألمر وفق هذا المنحى، يطول و لا يتسع المجال لتفكيكه إلا أنه يصلح لأن يكون نقطة انطلاق استقرائية.
على أية حال، فإني متأكد من أن أخي و صديقي بدران، رجل ذو عقل راجح و منهج علمي دقيق و لذلك فلا شك عندي أنه سوف يعارض كلامي وفق بناء يقبله العقل و المنطق و لكنني أتفق معه أيضا فيما يخص وجوب التريث قبل الخروج بالأحكام و بما أن الحق و المنطق فوق رؤوسنا فإنني أتعهد مسبقا بعدم سلوك طريق من يرفض النقاش الهادئ فقط بناء على دعاوى العاطفة.
الواقع يتطلب منا تجاوز العاطفة و تجاوز الكثير من الأمور إذا ما أردنا فعلا الدفاع عنه صلى الله عليه و سلم لأن بعض الروايات التي لا أظن أحدا يجهلها، أساءت إليه كما أساء ذلك الحمار أكرمك الله، إلى صاحبه حينما أراد أن يحميه من ذبابة فقتله!

جدار العار و منطق الحمار!!

التصنيفات : رأي

بعد مرور عام على العدوان الإسرائيلي الدموي ضد قطاع غزة، وبينما ما يزال الشعب الفلسطيني يعاني من الحصار الذي يحول دون إعادة الإعمار و توفير أبسط متطلبات الحياة الإنسانية في تلك البقعة الجغرافية الشهيدة، قرر نظام آل مبارك و المتملقين له في خطوة تعارض رغبة الغالبية الساحقة من الرأي العام المصري، بناء جدار من الفولاذ بعمق عشرات الأمتار، بهدف منع الفلسطينيين من حفر الأنفاق التي باتت تمثل شريان الحياة بالنسبة لمليون و نصف المليون إنسان محاصر في القطاع!

و على الرغم من أن الحكومة المصرية أرجعت قرارها إلى ما اعتبرته متطلبات يفرضها الأمن القومي للدولة فإنه من الواضح أن الهدف لا يعدو أن يكون فرضا لمزيد من الخناق على الشعب الفلسطيني و قطع تلك الأنفاق التي يصل منها الغذاء و الدواء في وقت لم يتردد وزير خارجية نظام آل مبارك على القول أن هذا الأمر شأن داخلي لبلاده حيث: “سواء تعلق الأمر بجدار أو بمجسات فإن الهدف الرئيسي هو حماية الأراضي المصرية”!

مع ذلك، سيكون من حقنا التساؤل هنا عن جدية هذا التهديد للأراضي المصرية فمن في وسعه أن يعتقد فعلا أن فلسطيني القطاع أو أي مكان آخر في مقدورهم أو حتى في واردهم، تهديد أمن مصر؟ ثم إن إغلاق معبر رفح هو أصلا إجراء يتم تنفيذه ضد رأي غالبية أبناء الشعب المصري لأن هؤلاء يعتبرونه موقفا مهينا لهم و لتاريخ هذا الشعب الحافل بمواقف العزة في وجه العدوان على العرب و المسلمين ما يعني أن حرص آل مبارك على إقامة الجدار سيكون شتيمة إضافية للمصريين و تضييقا لا يطاق عليهم قبل أن يكون تضييقا على الفلسطينيين فهل يعي المصريون سبب تراجع مكانتهم على المستويين العربي و الدولي بعد أن ارتفعت وتيرة حمى الرثاء في قنواتهم الفضائية حفلت بموشحات على وزن “هما العرب بيكرهونا ليه؟”. إن الأمر أيها الأشقاء، مرده تلك التصرفات التي يقدم عليها هذا النظام الأرعن الذي لا أعتقد شخصيا أن له دورا آخر غير إذلال الثمانين مليون مصري و إلا فكيف يمكن لنظام فاشل على جميع المستويات، أن يصر بهذه العنجهية الغريبة على مواصلة شق طريق تعادي رغبة الغالبية الساحقة من مواطنيه لكأنه يعبر عن تطلعات شعب آخر يسكن بالمريخ مثلا!

من حقنا أن نتساءل أيضا عن ذلك العدد الضخم من المحللين و المنظرين و النوّاحين الذين “تشرفنا” بالنظر مطولا في ملامحهم على القنوات الفضائية بعد مباراة الخرطوم حينما أرغدوا و أزبدوا في حملة التضليل و الكذب المكشوف على كل شيء بالجزائر مستغرقين في التنظير لمفاهيم جوفاء لا مبرر لها على شاكلة “التزامات الدولة المصرية بموجب القانون الدولي” أو حتى “واجب الحفاظ على الأمن القومي”.. أين أولئك الذين طفقوا يبحثون عن كل كذبة ليواروا بها سوأة نظام انكشف أمام الجميع فهل هنالك مصري واحد يؤمن فعلا بأن هذا الجدار لا يعدو إلا أن يكون دليلا “فولاذيا” على أن السيادة المصرية صارت محدودة إلى مستويات ربما لم تبلغها حتى إبان عهد الحماية البريطانية فالجدار يا سادة، مطلب إسرائيلي يعززه دعم أميركي واضح و لا غبار عليه و يجري إنشاؤه بمساعدة تقنية من وكالات الاستخبارات الغربية التي لا محل لمفاهيم السيادة و شعارات الأمن القومي المصري و لا حتى العربي فيها.

لست متخصصا في التاريخ و لكنني لست مصابا بالهذيان أيضا حتى أنسى أمورا حصلت قبل عام من الآن فمن منكم نسي ما جرى حينما كان العدوان على غزة في أواخر أيامه و تحديدا في 17 من يناير 2009؟ هل تذكرون حينما أعلنت واشنطن ذلك اليوم أن صاحبة اللون النفطي سيئة الذكر كوندوليزا رايس و رفيقة عمرها (علاقتهما أكثر حميمية من هذا و لكنني أتعفف عن التفصيل الممل) مجرمة الحرب تسيبي ليفني، قد وقعتا بالأحرف الأولى على اتفاقية تهدف إلى تعزيز التعاون فيما يخص موضوع تهريب السلاح إلى القطاع؟ لقد أعلنت الخارجية المصرية وقتذاك أن هذا الاتفاق لا يلزمها و كان من الطبيعي لها أن تقول ذلك بما أن المقررين لم يشاءوا حتى تكليف أنفسهم عناء استشارة القاهرة بمعنى أن القرار هو أمر واجب التنفيذ و ليس محل نقاش و لا مساومة من هذا الوزير أو رئيسه الذي يصدعون رؤوسنا بمفهوم السيادة و كرامة المصريين فهل هنالك عبودية أكثر دناءة من هذه؟

نصائح وقائية من الإنفلونزا!

التصنيفات : يوميات

صاحب النص التالي، هو الدكتور فيناي غويال الذي يحظى بشهرة عالمية في مجال طب الطوارئ خصوصا و أنه يعمل مديرا لقسم الطب النووي و أمراض الغدة الدرقية و القلب (في بومباي الهندية و يمكن التحقق من ذلك من خلال الإنترنت) و هو هنا يرسل برسالة بالغة الأهمية سيكون من الضروري جدا أن تنتشر على أوسع نطاق ممكن حتى تعرفها كل الناس بخصوص موضوع إنفلونزا الخنازير حيث يؤكد أن السبيل الوحيد لوقوع الإصابة بهذا المرض، هي طريق الأنف و الفم و الحلق ما يعني ضرورة وقاية هذه السبل لأجل تفادي الإصابة!
هذا و يقول الدكتور غويال أنه بما أن المرض بدأ يأخذ شكل الوباء على المستوى العالمي فإنه سيكون من الصعب جدا البقاء بعيدا عنه و عدم ملامسة فيروس H1N1 المسبب له بالرغم من جميع الاحتياطات الممكن اتخاذها و لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في ملامسة هذا الفيروس، بل في انتشاره و على هذا الأساس، فإنه في وسعنا ما دمنا نتمتع بصحة جيدة و أن أعراض الإصابة لم تظهر علينا، أن نتخذ بعضا من الاحتياطات اللازمة لمنع انتشاره أو تفاقم أعراضه فضلا عن إمكانية تطور أية عدوى ثانوية قد تصاحبه.
مع ذلك، يواصل الدكتور غويال، و لسوء الحظ فإن تلك الاحتياطات على الرغم من بساطتها، ما تزال غير معروفة لدى الجميع بشكل مناسب حيث أنه لم يجري إعلام الناس بها بما هو كاف و لهذا السبب، يقترح هذا الطبيب ما يلي:
1 – مثلما هو مذكور في أغلب الإعلانات، يتعين الحرص على غسل اليدين بشكل جيد و متكرر.
2 – تجنب لمس الوجه باليدين قدر الإمكان.
3 – الغرغرة بالماء الدافئ المملح (المذاب فيه قدر كاف من الملح)، على الأقل مرتين في اليوم و يمكن استعمال مستحضر الليستيرين محل الماء المملح إذا كنت تفضل ذلك إذ أن الفيروس يستغرق عادة ما بين 2 إلى 3 أيام بين وصوله إلى الفم أو الفم أو الحلق، و بين بداية ظهور أعراض المرض ما يعني أن الغرغرة بشكل منتظم قد يكون من شأنها منع انتشار الفيروس و بطريقة أو بأخرى، فإن لهذه العملية البسيطة نفس التأثير على الشخص السليم الذي يؤثره التلقيح على الشخص المصاب فلا داعي للتقليل من شأن هذا الأسلوب الوقائي البسيط خصوصا و أنه فعال و غير مكلف.
4 – يتوجب أيضا و لمرة واحدة في اليوم على الأقل، تنظيف الأنف بالماء الدافئ المملح ثم الاستنثار بقوة بعد ذلك قبل العمل على مسح داخل الأنف بدبوس قطن كالذي يستعمل عادة في مسح باطن الأذن، بعد أن نرج الدبوس قليلا في الماء الدافئ المملح دوما و هذه وسيلة فعالة أخرى للحد من انتشار الفيروس.
5 – يمكننا أيضا الحرص على تعزيز نظامنا المناعي عن طريق تناول الأطعمة الغنية بالفيتامين “ج” و إذا ما كان هذا الأخير، يؤخذ على شكل أقراص فسيكون من المفيد أيضا التأكد من احتوائه على مادة الزنك التي من شأنها أن تسرع عملية استيعاب الفيتامين و الاستفادة القصوى منه.
6 – شرب أكبر قدر ممكن من المشروبات الساخنة (الشاي والبن و غيرهما من مستحضرات الأعشاب الطبية) فالمشروبات الساخنة لها نفس التأثير الذي تحدثه عملية الغرغرة ولكن هذا التأثير يكون في الاتجاه المعاكس إذ أن تلك المشروبات الساخنة تعمل على تطهير الحلق من أية فيروسات يمكن أن تكون فيه ثم تجرها نحو المعدة الكفيلة بالقضاء عليها نظرا لما تحتويه من أحماض قوية قادرة على قتل هذا النوع من الفيروسات.
هذا و إنه سوف يكون من المفيد جدا إرسال هذه الرسالة إلى أكبر عدد ممكن من الناس فضلا عما فيها من خدمة للصالح العام.
مع رجائنا لكم بدوام الصحة و العافية!

التفكير الإيجابي!

التصنيفات : أفكار

لا أقصد من هذا العنوان تلك الموضة الدعوية التي صارت مهنة الكثيرين ففي وسعك أن تطوف العالم لتجد أن ما لا يحصى من الفاشلين صاروا أربابا للنصيحة و يقضون الساعات الطوال في سبيل نصح الناس و توجيههم نحو أفضل سبل النجاح مع أن هؤلاء هم أصلا، من أسباب البلاء و استفحال الداء.
أريد أن أقول تحت هذا الموضوع، أنه صار لزاما علينا حاليا البدء باختلاق طرق عمل أكثر إيجابية لأنه قد مضى علينا ما يزيد عن العشرة قرون و نحن بصدد نقد السياسة و الحكم على الرغم من أن كل أصناف الحكم قد جربت في أوطاننا إلى درجة أنه قد تسنى للعبيد أيضا أن يجربوا حظهم و يحكمونا .
على هذا الأساس، أعتقد أنه من المفيد لنا أن نغير طريقة نظرتنا إلى الواقع لأننا ببساطة نملك وسائل ما كان آباؤنا يحلمون بها فالتواصل اليوم بين جميع نقاط هذا العالم، صار يجري بشكل آني و بالصورة أيضا بمعنى أن الكذب لم يعد ممكنا و لا إمكانية لخداع الناس بنفس الطرق البدائية التي كان من قبلنا، يخدعون بها. و على هذا الأساس، لم تعد المعلومة عصية على الوصول و لا يسيرة على التورية فكل الناس تعيش في قلب الحدث و لو كانت بعيدة عنه آلاف الأميال!
نحن أمة تمتد على طول العالم و عرضه و مع ذلك، فإننا الأمة الوحيدة التي يجهل أبناؤها ثقلهم و ما يمكنهم فعله بل إنهم يكتفون فقط بالحنين إلى الماضي إلى درجة أن أغلبنا يتمنى لو أنه خلق قبل اليوم بقرون حتى يعيش بعضا من العزة مع أنني شخصيا لا أعلم عصرا كانت العزة فيه مطلقة حتى حينما كان العرب و المسلمون أسيادا لهذا العالم فلكل زمن مشكلاته و لكل زمن ضحاياه و مجرموه بتعدد الألوان و تنوع المكان.
يمكننا أن نفكر بطريقة أكثر واقعية حول ما في وسعنا أن نعمله تجاه الحصار الذي يعانيه أخواننا في غزة على سبيل المثال فلماذا لا نسعى إلى التواصل الجدي مع غيرنا و نواصل ما بدأناه حينما كانت الحرب الأخيرة على هذا القطاع، في أشد مراحل ! لماذا توقفنا عن الحراك بمجرد أن هدأت المدافع الإسرائيلية؟ هل انحلت مشكلة الغزيين حتى طابت لنا الراحة؟ و هل وصلت صورة كالمرفقة بهذه الكلمات، إلى كل العالم؟
أعتقد أنه في وسعنا فعل الكثير و مواصلة العمل الجدي و التفكير بشكل إيجابي لأننا لو استمرينا في انتقاد الأنظمة بهذا الشكل فإننا سوف نضيع مزيدا من الوقت بلا طائل و لا أتصور صراحة، أن الوقت في صالحنا فماذا تقترحون؟

أفغانستان: فيتنام أوباما!

التصنيفات : سياسة

على حسب ما هو متواتر في الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكيَّة بخصوص الحرب في أفغانستان التي تأكد أنها صارت كابوسًا فعليًّا، فإن المطروح حاليًّا أمام الرئيس أوباما هو توجهان يسعى الكثيرون من المحللين إلى الجزم بأنه لا ثالث لهما، ويتعلق الأمر بالخيار بين استراتيجية إرسال مزيد من القوات أي إعادة استنساخ التجربة التي تَمَّت في العراق التي عرفت تحت مسمى “الاندفاع” وهي الاستراتيجية التي تتطلب في الحالة الأفغانية إرسال ما لا يقل عن 40 ألف جندي إضافي، مثلما يرى القائد الأعلى للقوات الأمريكيَّة هناك الجنرال ستانلي ماكريستال الذي يبدو واحدًا من أبرز المتحمسين لهذا المسلك، في مقابل استراتيجية أخرى لا ترى ضرورةً في إرسال مزيد من القوات بقدر ما تعتقد أنه يتعين “تحسين” أداء الجنود المتواجدين في الوقت الحالي الذين يقدر عددهم بنحو 68 ألف جندي وضبط تحركهم من خلال التركيز على محاربة تنظيم القاعدة، بمعنى تخفيف التركيز على ملاحقة طالبان تداركًا للهدف الأساسي الذي قرَّرت الولايات المتحدة لأجله قبل ثماني سنوات من الآن احتلال هذا البلد وإسقاط نظام هذه الحركة فيه، والتي أخذت بجريرة ما وقع في هجمات 11 سبتمبر، بالرغم من أنه لا شيء يدل على وقوفها خلفها، حتى وإن سلَّمنا جدلًا بأن القاعدة هي من فعلتها.
مع ذلك تجهد نخب نافذة في المؤسستين السياسية والعسكرية بالولايات المتحدة إلى استبعاد طريق ثالثة بدأت تأخذ ملامح واضحة في خضمّ وعود التغيير التي أوصلت الرئيس أوباما إلى البيت الأبيض قبل عام من الآن، ويتعلق الأمر هنا بخيار إنهاء الاحتلال العسكري وترك أفغانستان للأفغان حتى يقرِّروا وحدَهُم الطريقة التي سوف يتعاملون وفقها مع عناصر طالبان، وحتى مع من تبقى من عناصر تنظيم القاعدة.
استحالة التصعيد أمريكيًّا
بدايةً فإن الاستراتيجية الأولى حال اعتُمدت، سوف ترفع مجموع عدد القوى في هذه البلاد إلى زُهاء 140 ألف جندي، أي تلك 108 ألف جندي أمريكي مضافًا إليها نحو 40 ألف جندي من باقي دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وبالتالي فإنه مع احتساب أساسيات مكافحة التمرد وفقًا للمعايير التي حددها الجنرال ديفيد بتريوس الذي يشغل حاليًّا منصب رئيس القيادة الأمريكيَّة الوسطى، أي أنه القائد المباشر للجنرال ماكريستال نفسه، فإن المعيار هنا هو ضرورة توفير 20 جنديًّا لكل 1000 مدني، بمعنى أن أفغانستان التي يفوق عدد سكانها 32 مليون إنسان، تتطلب لأجل ضمان استراتيجية مكافحة تمرد فعالة فيها، وجود ما لا يقل عن 640 ألف جندي، وهذا الرقم يفوق عدد الأفراد العاملين بشكل فعلي في الجيش الأمريكي، الذين يقدر عددهم بزهاء 548 ألف جندي، وهو رقم يقترب أيضًا من 749 ألف جندي، وهو إجمالي أفراد القوات المسلحة الأمريكيَّة كلها، إذا ما احتسبنا مجموع عناصر مشاة البحرية (المارينز).
على هذا السياق وباعتماد معايير الجنرال بتريوس فإن ما تملكه الولايات المتحدة من جنود في الوقت الحالي بأفغانستان، لا يكفي إلا لتأمين احتلال العاصمة كابول التي يُقدر عدد سكانها بحوالي 3.5 مليون نسمة، أما إذا ما جرى رفع العدد إلى 140 ألف جندي من الأمريكيين والناتو فإن العدد يكفي وقتها لتأمين احتلال محافظتين أو ثلاث محافظات أخرى، كقندهار وهلمند أو هيرات على سبيل المثال، وبقاء المحافظات الثلاثين الأخرى دونما أي حدٍّ من الأمن.
القسوة والوحشية لضمان الأمن والرفاهية
من هنا تتضح فداحة المأزق؛ فعمليات مكافحة التمرُّد والمقاومات الشعبية -كما هي حالة حركة طالبان مثلًا- تطلبت عبر التاريخ عملًا أكثر أهمية من مجرد التفكير في تأمين العدد الكافي من الجنود، لأن الأمر سوف يتطلب حضورًا دائمًا واستعدادًا بديهيًّا لاستخدام القسوة وأساليب القمع -وحتى الوحشية- في سبيل فرض الأمن والنظام، وهذا ما كان البريطانيون يتباهون به دومًا، من خلال تجربتهم في سحق تمرد الماو ماو في كينيا بالقارة الأفريقية خلال خمسينيات القرن الماضي، إلا أن الظروف تغيَّرت الآن، خصوصًا وأن المقاومات الشعبية ليست مجرد ثوارٍ يجري قمعُهُم، بل هي مطالب مشروعة مبنيَّة على أسس متينة لا يمكن زحزحتُها، وهذا ما أكَّدته تجربة الفرنسيين في الجزائر ومن بعدهم تجربة الأمريكيين في فيتنام قبل أن يعيشها السوفييت في أفغانستان نفسها؛ إذ إنه من البديهي في التحليل الاستراتيجي توقع أن تزداد المقاومة ويحتدّ عنفوانها حينما ترتفع وتيرة التوحش من قِبل المحتلين في قمعها أو بكلام آخر: إن الاحتلال الأمريكي والأطلسي المزدوج في تلك البلاد يدرك أنه سوف يواجه إذكاءً شديدًا للتمرد وسوف يحقق بالضبط ما سعى إلى تفاديه.
الرأي العام الأمريكي إذ يعادي الحرب
من ناحيةٍ أخرى فإن توازن القوات المحتلة في أي بلد يتطلب وجود تجانس مواقف ضروري في بلدانها، وهذا ما لم يتمكن الأمريكيُّون من تأمينه إذن، وعلى الرغم من أن موقف هؤلاء كان متناغماً مع مبدأ ضرب أفغانستان بُعيد هجمات سبتمبر نتيجةَ تلك الحالة العاطفية القوية التي سادت الولايات المتحدة وقتذاك، إلا أن موقف الرأي العام لصالح الحرب والاحتلال بدأ في التراجع منذ ذلك الحين قبل أن تحلّ الأزمة المالية الحالية وتضرب ذلك الموقف في مقتل، بدليل أن استطلاعات الرأي التي تجريها المؤسسات البحثية في أمريكا تشير حاليًّا إلى تردٍّ خطير لشعبية الرئيس أوباما بُعيد أقلّ من عامٍ من توليه شئون المكتب البيضاوي، أما الاستطلاع الذي أجرته محطة سي إن إن حول الحرب في أفغانستان قبل أيام قليلة فلقد أكد أن 58% من الأمريكيين يؤيدون مبدأ الانسحاب من هناك بشكلٍ تامّ.
على هذا الأساس يرى عدد متزايدٌ من المحللين أن الطريق الثانية أمام الرئيس أوباما هي الأرجح والأسلم أيضًا، وهي تلك التي تُنادي بضرورة التركيز فقط على القاعدة وعدم الانجرار إلى حرب استنزاف مع حركة طالبان، وهو التفكير الذي يعتبر نائب الرئيس جو بايدن أبرز الداعين إليه، آخذًا في الصعود فهذا السيناتور الخبير بالقضايا الدولية يعترف علنًا أن هنالك فروقًا جوهرية بين طالبان والقاعدة “بالرغم من احتمال وجود بعض العناصر من طالبان مع القاعدة” إلا أن “هنالك تنافسًا جديًّا على السلطة بين الحركة والتنظيم” وعلى الرغم من أن هذا التفسير الأخير غير مؤكد إلا أن هنالك فعلًا مَن يؤمن به ويرى أن تنظيم أسامة بن لادن يسعى إلى تولي شئون القيادة السياسية في أفغانستان، ولذلك يحرص أنصار هذا التفكير على الدعوة إلى التركيز على القاعدة على اعتبار أنها التهديد الفعلي لأمن الولايات المتحدة وترك طالبان لأنها لا تشكل تهديدًا مباشرًا لواشنطن بمعنى أنه من مصلحة أمريكا فقط ألا تعود أفغانستان ملجأً آمنًا للتنظيم وترك طالبان للحكومة الأفغانية، حتى وإن كانت هذه الأخيرة غير قادرة على القضاء التامّ عليها.
خيار الأفغنة واستنتساخ سياسة الفتنمة
ثم إن هذه الاستراتيجية تعترف أيضًا أن التهديد الذي باتت القاعدة تمثِّله في أفغانستان نفسها لا يمكن قياسُه بوضعها الذي كانت عليه قبل الغزو الأمريكي، ولا يعني هذا الكلام بالضرورة أن تهديد القاعدة للأمن الأمريكي قد انتهى بقدر ما يعني أن الحرب في أفغانستان فقدت مبرراتها الأخلاقية التي قامت عليها أصلا، وإن كان من العسير افتراض وجود تلك الأخلاقيات بالنظر إلى طبيعة الذهنيات التي باتت تحكم الحروب الأمريكيَّة في عصر الحملات الاستباقية، إلا أن المشكلة الأكبر في مواجهة كل الاستراتيجيات الأمريكيَّة القائمة منها والمحتملة هو أنها تعني استمرار الاحتلال وما يعنيه هذا من مستلزمات لم تعدْ الموازنة الفيدرالية في واشنطن قادرةً على تحمُّل تبعاتها، أي أن العملية برمتها محكوم عليها بالفشل، حتى وإن سلَّمنا أنه في الإمكان تحقيق انتصاراتٍ سياسية تكتيكية؛ لأن الخسارة سوف تكون بالميزان الاستراتيجي، وفي ظلّ أوضاع اقتصادية كارثية ذات آثار تمتد لعقود طويلة تفوق تلك التي سببتها انتكاسة الجنود الأمريكان في فيتنام، حتى بعد أن آثر الأمريكيُّون وقتذاك الانسحاب المرحليّ وترك الفيتناميين يتقاتلون فيما بينهم.
أمريكا بين مطالب الناخبين ومصالح النافذين
بالإضافة إلى كل ما سبق، لا يجدر بنا أيضًا إغفال عنصر في غاية الأهمية، وهو ذلك المتعلق بكون وجود القوات الأجنبية من أطلسية وأمريكيَّة على السواء سوف يواصل توليد مزيد من الاستياء لدى عموم الشعب الأفغاني على اختلاف توجهاته، وهذا وحدَهُ كفيل بجعل عملية تجنيد المسلحين واستهداف المحتلين، مطلبًا في غاية اليُسر، وبالتالي عودة الأوضاع -وفق هذا المنوال- إلى ما كانت عليه قبل وقوع هجمات سبتمبر حينما كانت أفغانستان ملجأً لكل الذين يحلمون بمقارعة أمريكا وحلفائها، ومن هنا فإنه مطلوب من الأمريكيين في هذا الظرف تحديدًا فهمُ سياق الأمور والتعلم من الأخطاء إذا ما كانوا حريصين فعلًا على مكانة بلادهم في رأس الأمم، أما إن كان العكس وهذا ما يبدو حتى الساعة، بدليل ما صرح به رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأمريكي الجنرال جورج كيسي في لقاءٍ له مع قناة إن بي سي هذا الأحد، بشأن “ضرورة إرسال مزيد من القوات” في إشارة واضحة إلى أن القرار السياسي والعسكري الأمريكي ما يزال بيدِ اللوبي الصناعي والمالي، فإن مصيرهم لن يكون في أحسن الأحوال أفضل من مصير السوفييت أو البريطانيين قبلهم.

على حسب ما هو متواتر في الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكيَّة بخصوص الحرب في أفغانستان التي تأكد أنها صارت كابوسًا فعليًّا، فإن المطروح حاليًّا أمام الرئيس أوباما هو توجهان يسعى الكثيرون من المحللين إلى الجزم بأنه لا ثالث لهما، ويتعلق الأمر بالخيار بين استراتيجية إرسال مزيد من القوات أي إعادة استنساخ التجربة التي تَمَّت في العراق التي عرفت تحت مسمى “الاندفاع” وهي الاستراتيجية التي تتطلب في الحالة الأفغانية إرسال ما لا يقل عن 40 ألف جندي إضافي، مثلما يرى القائد الأعلى للقوات الأمريكيَّة هناك الجنرال ستانلي ماكريستال الذي يبدو واحدًا من أبرز المتحمسين لهذا المسلك، في مقابل استراتيجية أخرى لا ترى ضرورةً في إرسال مزيد من القوات بقدر ما تعتقد أنه يتعين “تحسين” أداء الجنود المتواجدين في الوقت الحالي الذين يقدر عددهم بنحو 68 ألف جندي وضبط تحركهم من خلال التركيز على محاربة تنظيم القاعدة، بمعنى تخفيف التركيز على ملاحقة طالبان تداركًا للهدف الأساسي الذي قرَّرت الولايات المتحدة لأجله قبل ثماني سنوات من الآن احتلال هذا البلد وإسقاط نظام هذه الحركة فيه، والتي أخذت بجريرة ما وقع في هجمات 11 سبتمبر، بالرغم من أنه لا شيء يدل على وقوفها خلفها، حتى وإن سلَّمنا جدلًا بأن القاعدة هي من فعلتها.
مع ذلك تجهد نخب نافذة في المؤسستين السياسية والعسكرية بالولايات المتحدة إلى استبعاد طريق ثالثة بدأت تأخذ ملامح واضحة في خضمّ وعود التغيير التي أوصلت الرئيس أوباما إلى البيت الأبيض قبل عام من الآن، ويتعلق الأمر هنا بخيار إنهاء الاحتلال العسكري وترك أفغانستان للأفغان حتى يقرِّروا وحدَهُم الطريقة التي سوف يتعاملون وفقها مع عناصر طالبان، وحتى مع من تبقى من عناصر تنظيم القاعدة.
استحالة التصعيد أمريكيًّا
بدايةً فإن الاستراتيجية الأولى حال اعتُمدت، سوف ترفع مجموع عدد القوى في هذه البلاد إلى زُهاء 140 ألف جندي، أي تلك 108 ألف جندي أمريكي مضافًا إليها نحو 40 ألف جندي من باقي دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وبالتالي فإنه مع احتساب أساسيات مكافحة التمرد وفقًا للمعايير التي حددها الجنرال ديفيد بتريوس الذي يشغل حاليًّا منصب رئيس القيادة الأمريكيَّة الوسطى، أي أنه القائد المباشر للجنرال ماكريستال نفسه، فإن المعيار هنا هو ضرورة توفير 20 جنديًّا لكل 1000 مدني، بمعنى أن أفغانستان التي يفوق عدد سكانها 32 مليون إنسان، تتطلب لأجل ضمان استراتيجية مكافحة تمرد فعالة فيها، وجود ما لا يقل عن 640 ألف جندي، وهذا الرقم يفوق عدد الأفراد العاملين بشكل فعلي في الجيش الأمريكي، الذين يقدر عددهم بزهاء 548 ألف جندي، وهو رقم يقترب أيضًا من 749 ألف جندي، وهو إجمالي أفراد القوات المسلحة الأمريكيَّة كلها، إذا ما احتسبنا مجموع عناصر مشاة البحرية (المارينز).
على هذا السياق وباعتماد معايير الجنرال بتريوس فإن ما تملكه الولايات المتحدة من جنود في الوقت الحالي بأفغانستان، لا يكفي إلا لتأمين احتلال العاصمة كابول التي يُقدر عدد سكانها بحوالي 3.5 مليون نسمة، أما إذا ما جرى رفع العدد إلى 140 ألف جندي من الأمريكيين والناتو فإن العدد يكفي وقتها لتأمين احتلال محافظتين أو ثلاث محافظات أخرى، كقندهار وهلمند أو هيرات على سبيل المثال، وبقاء المحافظات الثلاثين الأخرى دونما أي حدٍّ من الأمن.
القسوة والوحشية لضمان الأمن والرفاهية
من هنا تتضح فداحة المأزق؛ فعمليات مكافحة التمرُّد والمقاومات الشعبية -كما هي حالة حركة طالبان مثلًا- تطلبت عبر التاريخ عملًا أكثر أهمية من مجرد التفكير في تأمين العدد الكافي من الجنود، لأن الأمر سوف يتطلب حضورًا دائمًا واستعدادًا بديهيًّا لاستخدام القسوة وأساليب القمع -وحتى الوحشية- في سبيل فرض الأمن والنظام، وهذا ما كان البريطانيون يتباهون به دومًا، من خلال تجربتهم في سحق تمرد الماو ماو في كينيا بالقارة الأفريقية خلال خمسينيات القرن الماضي، إلا أن الظروف تغيَّرت الآن، خصوصًا وأن المقاومات الشعبية ليست مجرد ثوارٍ يجري قمعُهُم، بل هي مطالب مشروعة مبنيَّة على أسس متينة لا يمكن زحزحتُها، وهذا ما أكَّدته تجربة الفرنسيين في الجزائر ومن بعدهم تجربة الأمريكيين في فيتنام قبل أن يعيشها السوفييت في أفغانستان نفسها؛ إذ إنه من البديهي في التحليل الاستراتيجي توقع أن تزداد المقاومة ويحتدّ عنفوانها حينما ترتفع وتيرة التوحش من قِبل المحتلين في قمعها أو بكلام آخر: إن الاحتلال الأمريكي والأطلسي المزدوج في تلك البلاد يدرك أنه سوف يواجه إذكاءً شديدًا للتمرد وسوف يحقق بالضبط ما سعى إلى تفاديه.
الرأي العام الأمريكي إذ يعادي الحرب
من ناحيةٍ أخرى فإن توازن القوات المحتلة في أي بلد يتطلب وجود تجانس مواقف ضروري في بلدانها، وهذا ما لم يتمكن الأمريكيُّون من تأمينه إذن، وعلى الرغم من أن موقف هؤلاء كان متناغماً مع مبدأ ضرب أفغانستان بُعيد هجمات سبتمبر نتيجةَ تلك الحالة العاطفية القوية التي سادت الولايات المتحدة وقتذاك، إلا أن موقف الرأي العام لصالح الحرب والاحتلال بدأ في التراجع منذ ذلك الحين قبل أن تحلّ الأزمة المالية الحالية وتضرب ذلك الموقف في مقتل، بدليل أن استطلاعات الرأي التي تجريها المؤسسات البحثية في أمريكا تشير حاليًّا إلى تردٍّ خطير لشعبية الرئيس أوباما بُعيد أقلّ من عامٍ من توليه شئون المكتب البيضاوي، أما الاستطلاع الذي أجرته محطة سي إن إن حول الحرب في أفغانستان قبل أيام قليلة فلقد أكد أن 58% من الأمريكيين يؤيدون مبدأ الانسحاب من هناك بشكلٍ تامّ.
على هذا الأساس يرى عدد متزايدٌ من المحللين أن الطريق الثانية أمام الرئيس أوباما هي الأرجح والأسلم أيضًا، وهي تلك التي تُنادي بضرورة التركيز فقط على القاعدة وعدم الانجرار إلى حرب استنزاف مع حركة طالبان، وهو التفكير الذي يعتبر نائب الرئيس جو بايدن أبرز الداعين إليه، آخذًا في الصعود فهذا السيناتور الخبير بالقضايا الدولية يعترف علنًا أن هنالك فروقًا جوهرية بين طالبان والقاعدة “بالرغم من احتمال وجود بعض العناصر من طالبان مع القاعدة” إلا أن “هنالك تنافسًا جديًّا على السلطة بين الحركة والتنظيم” وعلى الرغم من أن هذا التفسير الأخير غير مؤكد إلا أن هنالك فعلًا مَن يؤمن به ويرى أن تنظيم أسامة بن لادن يسعى إلى تولي شئون القيادة السياسية في أفغانستان، ولذلك يحرص أنصار هذا التفكير على الدعوة إلى التركيز على القاعدة على اعتبار أنها التهديد الفعلي لأمن الولايات المتحدة وترك طالبان لأنها لا تشكل تهديدًا مباشرًا لواشنطن بمعنى أنه من مصلحة أمريكا فقط ألا تعود أفغانستان ملجأً آمنًا للتنظيم وترك طالبان للحكومة الأفغانية، حتى وإن كانت هذه الأخيرة غير قادرة على القضاء التامّ عليها.
خيار الأفغنة واستنتساخ سياسة الفتنمة
ثم إن هذه الاستراتيجية تعترف أيضًا أن التهديد الذي باتت القاعدة تمثِّله في أفغانستان نفسها لا يمكن قياسُه بوضعها الذي كانت عليه قبل الغزو الأمريكي، ولا يعني هذا الكلام بالضرورة أن تهديد القاعدة للأمن الأمريكي قد انتهى بقدر ما يعني أن الحرب في أفغانستان فقدت مبرراتها الأخلاقية التي قامت عليها أصلا، وإن كان من العسير افتراض وجود تلك الأخلاقيات بالنظر إلى طبيعة الذهنيات التي باتت تحكم الحروب الأمريكيَّة في عصر الحملات الاستباقية، إلا أن المشكلة الأكبر في مواجهة كل الاستراتيجيات الأمريكيَّة القائمة منها والمحتملة هو أنها تعني استمرار الاحتلال وما يعنيه هذا من مستلزمات لم تعدْ الموازنة الفيدرالية في واشنطن قادرةً على تحمُّل تبعاتها، أي أن العملية برمتها محكوم عليها بالفشل، حتى وإن سلَّمنا أنه في الإمكان تحقيق انتصاراتٍ سياسية تكتيكية؛ لأن الخسارة سوف تكون بالميزان الاستراتيجي، وفي ظلّ أوضاع اقتصادية كارثية ذات آثار تمتد لعقود طويلة تفوق تلك التي سببتها انتكاسة الجنود الأمريكان في فيتنام، حتى بعد أن آثر الأمريكيُّون وقتذاك الانسحاب المرحليّ وترك الفيتناميين يتقاتلون فيما بينهم.
أمريكا بين مطالب الناخبين ومصالح النافذين
بالإضافة إلى كل ما سبق، لا يجدر بنا أيضًا إغفال عنصر في غاية الأهمية، وهو ذلك المتعلق بكون وجود القوات الأجنبية من أطلسية وأمريكيَّة على السواء سوف يواصل توليد مزيد من الاستياء لدى عموم الشعب الأفغاني على اختلاف توجهاته، وهذا وحدَهُ كفيل بجعل عملية تجنيد المسلحين واستهداف المحتلين، مطلبًا في غاية اليُسر، وبالتالي عودة الأوضاع -وفق هذا المنوال- إلى ما كانت عليه قبل وقوع هجمات سبتمبر حينما كانت أفغانستان ملجأً لكل الذين يحلمون بمقارعة أمريكا وحلفائها، ومن هنا فإنه مطلوب من الأمريكيين في هذا الظرف تحديدًا فهمُ سياق الأمور والتعلم من الأخطاء إذا ما كانوا حريصين فعلًا على مكانة بلادهم في رأس الأمم، أما إن كان العكس وهذا ما يبدو حتى الساعة، بدليل ما صرح به رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأمريكي الجنرال جورج كيسي في لقاءٍ له مع قناة إن بي سي هذا الأحد، بشأن “ضرورة إرسال مزيد من القوات” في إشارة واضحة إلى أن القرار السياسي والعسكري الأمريكي ما يزال بيدِ اللوبي الصناعي والمالي، فإن مصيرهم لن يكون في أحسن الأحوال أفضل من مصير السوفييت أو البريطانيين قبلهم.

عن مالك بن نبي في ذكراه: من مشاريع التحرر إلى فشل الحريات !

التصنيفات : نقد و أفكار

كتب الدكتور غازي التوبة منتقداً فكرة (قابلية الاستعمار) التي اشتهر بها المفكر الجزائري الأستاذ مالك بن نبي، يقول: «إنها أضعف أفكاره، وأقلّها صواباً، وبخاصة عندما ارتبطت هذه الفكرة بأمر آخر هو كلامه عن بلوغ عوامل التعارض الداخلية قمتها في نهاية عهد دولة الموحّدين، ولم يعد الإنسان والتراب والوقت عوامل حضارة، بل أضحت عناصر خامدة ليس بينها صلة مبدعة». ثم يضيف: «لقد ربط مالك بن نبي بين الانحطاط والقابلية للاستعمار فعدّ أنّ هذه القابلية للاستعمار عامل باطني يستجيب للعامل الخارجي، وأبرز مظاهر هذا العامل الباطني: البطالة، وانحطاط الأخلاق الذي يؤدّي إلى شيوع الرذيلة، وتفرّق المجتمع الذي يؤدّي إلى الفشل من الناحية الأدبية».
لست هنا بوارد الإدعاء على أنني أستطيع الدفاع عن ابن نبي (1905-1973) الذي تحل علينا ذكرى وفاته في نهاية شهر أكتوبر من كل عام، ولا انتقاد الدكتور التوبة، لأنني شخصياً أؤمن بأن الأفكار ليست مسلمات أزلية بل إنها خاضعة هي الأخرى للتطور والمراجعة، بمعنى أن أخطر أداة للقضاء على الفكرة من أساسها، هي الحرص على تمجيدها ورفض النظر فيها مهما تغيرت الظروف؛ إذ إن الجمود هو أخطر مشكلة يعيشها المسلمون منذ قرون طويلة، بناء على ما توصل إليه ابن نبي نفسه بعد عقود من البحث والتفكير.
مع ذلك فأنا أعتقد أن فكرة قابلية الاستعمار تحمل الكثير من الصحة أيضاً، إلاّ أن سبب إساءة فهمها مردّه- في تقديري- هو الترجمة في حد ذاتها؛ إذ من المعروف أن معظم ما كتبه الأستاذ ابن نبي كان بالفرنسية، وهذا يعني أن هذه الفكرة سمَّاها هو La Colonisabilité ) ) وهذه الكلمة الفرنسية لا تعني على وجه الدقة الترجمة العربية التي اختيرت لها؛ فهي -وإن كانت مبتدعة في القاموس الفرنسي- إلا أنها بالنظر إلى تركيبتها النحوية تعني (إمكانية وعدم القدرة على مواجهة) الاستعمار، ومثلما هو واضح فإن هذا التعبير لا يطابق معنى القابلية بشكل دقيق؛ بمعنى أنك حينما تكون غير قادر على مواجهة الاستعمار فإن هذا لا يعني -على وجه الدقة- أنك قابل له و راضٍ عنه!
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أيضاً نستطيع أن نلحظ الظرف الذي خرجت فيه الفكرة؛ إذ إن صاحبها أطلقها في وقت كانت أغلب الدول الإسلامية (بما أن ابن نبي كان يرى وفق محور جاكرتا- طنجة) تعيش تحت سلطة الاستعمار؛ على الرغم من وجود بوادر تحرر إلاّ أنه مع ذلك، لم يعتبر تلك الحركات التحررية قادرة على استئناف الدورة الحضارية للأمة الإسلامية؛ فهي حركات على الرغم من أنها استطاعت استعادة الاستقلال السياسي على مر السنوات، ولكنها أيضاً لم تستطع استعادة القرار السيادي بشكل كامل؛ إذ إنه- على سبيل المثال لا الحصر- لايزال الارتباط الاقتصادي مع المستعمر القديم في معظم الدول الإسلامية، جلياً حتى الساعة، فضلاً عن أن تلك الطموحات الثورية الكبيرة التي داعبت مخيلة رواد التحرر والانعتاق قد وصلت طريقاً مسدودة ليس لأن فكرة التحرر لم تكن صحيحة، وإنما لأن الوسائل التي اعتمدت فيها كانت غير كافية، فضلاً عن أننا لن نكشف سراً هنا حينما نقول إن عدداً كبيراً من بلداننا إنما استقلت بفضل التطورات السياسية الدولية حينما بات الاستعمار التقليدي (موضة قديمة)، ويفرض التزامات مكلفة أثقلت كاهل الموازنات في الدول الاستعمارية الكبرى.
من هذا المعنى نستطيع الوصول إلى أن مالك بن نبي لم يكن ينظر إلى واقع العالم الإسلامي فقط على اعتباره دولاً مستعمرة، بل إن منظاره كان أوسع من ذلك، فقد كان يرى في هذه الدول تراكمات كثيرة من أسباب التخلف والانحطاط، ولذلك فإن همه لم يكن يتوقف عند مجرد التحرر السياسي، وإنما كان يتعداه إلى التفكير في كيفية تحقيق أسباب القوة وتجميع عناصر استعادة الدور الحضاري للأمة وفق عوامل كثيرة لا يمثل خروج المستعمر من أوطاننا -وسط ذلك- غير جزء يسير منها.
من المحتمل أن تكون الطرق الاستدلالية التي اعتمدها ابن نبي قد أساءت تقدير تلك التفاعلات العميقة بين كيفية تكوّن النظام الاقتصادي العالمي الذي رافق التمدد الأوروبي مع بداية عصر النهضة، وبين كيفية تشكل التخلف الذي كان أصلاً واقعاً حتى قبل بدء العصر الاستعماري، إلاّ أن هذا لا ينفي عمق ما طرحه هذا المفكر العصامي الذي يجزم بأن أكبر العوامل التي سهلت مهمة المستعمرين، هي مظاهر الانحلال والاستبداد السياسي، فضلاً عن انهيار كثير من القيم التي يُفترض أن المجتمعات الإسلامية تقوم على أساسها.
صحيح أنه من الممكن لنا أن نتفق أو نختلف في اعتبار نهاية دولة الموحدين (عام 1269 ميلادية) في غرب الشمال الإفريقي، معلماً لأفول التأثير الحضاري الإسلامي؛ بمعنى أن مالك بن نبي قد لا يكون دقيقاً أيضاً في تحديد التوقيت بشكل مضبوط؛ إذ في وسع البعض أن يعتبر مثلاً بداية تراجع الدولة العثمانية بعد أن بلغت أوج مراحل قوتها في عهد السلطان سليمان القانوني الذي امتدت سلطته حتى حاصر أسوار العاصمة النمساوية فيينا (عام 1529م)- باكورة انحسار المد الإسلامي، ولكن جوهر الفكرة من أساسها لا ينبغي أن يتم التطرق له مع إغفال حقيقة أن ابن نبي (1905-1973) عاش مرحلة انتهاء الاستعمار، وبالتالي عاصر تلك المشكلات الجمة التي اعترضت جهود التنمية والتطور في العالم الإسلامي.
ففي مصر على سبيل المثال -وهي قلب العالم العربي على الأقل- عايش ابن نبي تقهقر القيم المجتمعية على الرغم من ضخامة شعارات المرحلة الناصرية؛ إذ إن نظام الرئيس عبدالناصر -وإن استطاع فعلا التخلص من الوجود الأجنبي على أرضه- إلاّ أنه في المقابل لم يستطع تحقيق الشيء الكثير؛ فلقد اكتشف أن مشكلات المصريين هي أعمق بكثير من ذلك النوع الذي ينتهي بخروج البريطانيين أو استعادة السلطة على قناة السويس.
أما في سوريا فلا شك أن ابن نبي قد ذُهل من ذلك العدد غير القابل للحصر من الانقلابات وغياب الاستقرار السياسي بغض النظر عن الاقتصادي؛ فالنظام هنالك لم يترسخ إلاّ بعد انقلاب حافظ الأسد في 1971 أي قبل عامين فقط من وفاة مالك بن نبي، ومع ذلك لاتزال سوريا حتى الساعة -على الرغم من كل ما تمتلكه من طاقات طبيعية وثقافية وفكرية- عاجزة عن تحقيق التقدم الحقيقي.
ولم يختلف الوضع في العراق كثيراً أيضاً، فهذا البلد الذي كان يمتلك مقومات النهضة وشروطها، تراجع في الأربعين سنة الأخيرة إلى حد من التخلف غير المتوقع، وزاد الطين بلة تلك المؤامرات التي حيكت ضده ليبلغ هذا الواقع الحالي الذي بات العهد الدكتاتوري الصدّامي فيه، حلماً جميلاً يراود مخيلة العراقيين وجيرانهم على السواء!
في وسعنا أن نمضي وفق هذا المنوال فنقف على العجز الذي أضحى قاسماً مشتركاً بين الغالبية الساحقة من دولنا؛ فباكستان لاتزال ذليلة على الرغم من أنها تحوز السلاح الإستراتيجي الذي يُفترض أنه يمنحها القدرة على تحسين شروط التفاوض مع الأصدقاء والأعداء، في حين أن دول المغرب هي الأخرى تعيش عزلة عن المشرق وتوجسات جمة فيما بينها، إلى درجة أن الجزائر والمغرب الأقصى مثلاً صارتا تتنافسان على اقتناء مقاتلات سوخوي وإف 16 لا لشيء سوى بسبب قدم الخلاف المصطنع بين النخب الحاكمة في الجزائر والرباط!
من البديهي لنا أن نعترف أخيراً أن مالك بن نبي حينما طرح فكرته كان يقصد بها تلك العوامل التي تغري الآخرين على استعمارنا ولم يكن يقصد -كما تفيد الترجمة العربية- رغبة شعوبنا ودولنا في أن تصير مستعمَرة؛ فالرجل عاصر حركات التحرر، وشاهد بأم عينه -وهو المفكر المدقق- كيف تخلف المشروع التنموي عن ركب المشروع التحريري، وبالتالي فإنه -و بمناسبة ذكرى رحيله السادسة و الثلاثين- يمكننا أن نرى كيف أن ذلك لم يتغير كثيراً، بل إن ما وقع هو العكس: لقد توقفت التنمية، وتراجع التحرر لحساب مشاريع التبعية والارتباط بالخارج و الأمثلة هنا كثيرة، و لا داعي لسوقها، و إن كانت بعض مشاريع العمالة صارت تسمى حالياً على وزن الواقعية و البراغماتية، و ما إلى ذلك من تبريرات!
باختصار، أنا من الذين يؤمنون بأن مالك بن نبي، لو قُدر له أن يعيش حتى اليوم لكان ربما قد طوّر فكرته هذه من كوننا مجرد دول تملك الاستعداد لتقع تحت نير الاستعمار، إلى القول إننا دول تصرّ على التخلف، وترفض الحرية والاستقلال!!

كتب الدكتور غازي التوبة منتقداً فكرة (قابلية الاستعمار) التي اشتهر بها المفكر الجزائري الأستاذ مالك بن نبي، يقول: «إنها أضعف أفكاره، وأقلّها صواباً، وبخاصة عندما ارتبطت هذه الفكرة بأمر آخر هو كلامه عن بلوغ عوامل التعارض الداخلية قمتها في نهاية عهد دولة الموحّدين، ولم يعد الإنسان والتراب والوقت عوامل حضارة، بل أضحت عناصر خامدة ليس بينها صلة مبدعة». ثم يضيف: «لقد ربط مالك بن نبي بين الانحطاط والقابلية للاستعمار فعدّ أنّ هذه القابلية للاستعمار عامل باطني يستجيب للعامل الخارجي، وأبرز مظاهر هذا العامل الباطني: البطالة، وانحطاط الأخلاق الذي يؤدّي إلى شيوع الرذيلة، وتفرّق المجتمع الذي يؤدّي إلى الفشل من الناحية الأدبية».
لست هنا بوارد الإدعاء على أنني أستطيع الدفاع عن ابن نبي (1905-1973) الذي تحل علينا ذكرى وفاته في نهاية شهر أكتوبر من كل عام، ولا انتقاد الدكتور التوبة، لأنني شخصياً أؤمن بأن الأفكار ليست مسلمات أزلية بل إنها خاضعة هي الأخرى للتطور والمراجعة، بمعنى أن أخطر أداة للقضاء على الفكرة من أساسها، هي الحرص على تمجيدها ورفض النظر فيها مهما تغيرت الظروف؛ إذ إن الجمود هو أخطر مشكلة يعيشها المسلمون منذ قرون طويلة، بناء على ما توصل إليه ابن نبي نفسه بعد عقود من البحث والتفكير.
مع ذلك فأنا أعتقد أن فكرة قابلية الاستعمار تحمل الكثير من الصحة أيضاً، إلاّ أن سبب إساءة فهمها مردّه- في تقديري- هو الترجمة في حد ذاتها؛ إذ من المعروف أن معظم ما كتبه الأستاذ ابن نبي كان بالفرنسية، وهذا يعني أن هذه الفكرة سمَّاها هو La Colonisabilité ) ) وهذه الكلمة الفرنسية لا تعني على وجه الدقة الترجمة العربية التي اختيرت لها؛ فهي -وإن كانت مبتدعة في القاموس الفرنسي- إلا أنها بالنظر إلى تركيبتها النحوية تعني (إمكانية وعدم القدرة على مواجهة) الاستعمار، ومثلما هو واضح فإن هذا التعبير لا يطابق معنى القابلية بشكل دقيق؛ بمعنى أنك حينما تكون غير قادر على مواجهة الاستعمار فإن هذا لا يعني -على وجه الدقة- أنك قابل له و راضٍ عنه!
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أيضاً نستطيع أن نلحظ الظرف الذي خرجت فيه الفكرة؛ إذ إن صاحبها أطلقها في وقت كانت أغلب الدول الإسلامية (بما أن ابن نبي كان يرى وفق محور جاكرتا- طنجة) تعيش تحت سلطة الاستعمار؛ على الرغم من وجود بوادر تحرر إلاّ أنه مع ذلك، لم يعتبر تلك الحركات التحررية قادرة على استئناف الدورة الحضارية للأمة الإسلامية؛ فهي حركات على الرغم من أنها استطاعت استعادة الاستقلال السياسي على مر السنوات، ولكنها أيضاً لم تستطع استعادة القرار السيادي بشكل كامل؛ إذ إنه- على سبيل المثال لا الحصر- لايزال الارتباط الاقتصادي مع المستعمر القديم في معظم الدول الإسلامية، جلياً حتى الساعة، فضلاً عن أن تلك الطموحات الثورية الكبيرة التي داعبت مخيلة رواد التحرر والانعتاق قد وصلت طريقاً مسدودة ليس لأن فكرة التحرر لم تكن صحيحة، وإنما لأن الوسائل التي اعتمدت فيها كانت غير كافية، فضلاً عن أننا لن نكشف سراً هنا حينما نقول إن عدداً كبيراً من بلداننا إنما استقلت بفضل التطورات السياسية الدولية حينما بات الاستعمار التقليدي (موضة قديمة)، ويفرض التزامات مكلفة أثقلت كاهل الموازنات في الدول الاستعمارية الكبرى.
من هذا المعنى نستطيع الوصول إلى أن مالك بن نبي لم يكن ينظر إلى واقع العالم الإسلامي فقط على اعتباره دولاً مستعمرة، بل إن منظاره كان أوسع من ذلك، فقد كان يرى في هذه الدول تراكمات كثيرة من أسباب التخلف والانحطاط، ولذلك فإن همه لم يكن يتوقف عند مجرد التحرر السياسي، وإنما كان يتعداه إلى التفكير في كيفية تحقيق أسباب القوة وتجميع عناصر استعادة الدور الحضاري للأمة وفق عوامل كثيرة لا يمثل خروج المستعمر من أوطاننا -وسط ذلك- غير جزء يسير منها.
من المحتمل أن تكون الطرق الاستدلالية التي اعتمدها ابن نبي قد أساءت تقدير تلك التفاعلات العميقة بين كيفية تكوّن النظام الاقتصادي العالمي الذي رافق التمدد الأوروبي مع بداية عصر النهضة، وبين كيفية تشكل التخلف الذي كان أصلاً واقعاً حتى قبل بدء العصر الاستعماري، إلاّ أن هذا لا ينفي عمق ما طرحه هذا المفكر العصامي الذي يجزم بأن أكبر العوامل التي سهلت مهمة المستعمرين، هي مظاهر الانحلال والاستبداد السياسي، فضلاً عن انهيار كثير من القيم التي يُفترض أن المجتمعات الإسلامية تقوم على أساسها.
صحيح أنه من الممكن لنا أن نتفق أو نختلف في اعتبار نهاية دولة الموحدين (عام 1269 ميلادية) في غرب الشمال الإفريقي، معلماً لأفول التأثير الحضاري الإسلامي؛ بمعنى أن مالك بن نبي قد لا يكون دقيقاً أيضاً في تحديد التوقيت بشكل مضبوط؛ إذ في وسع البعض أن يعتبر مثلاً بداية تراجع الدولة العثمانية بعد أن بلغت أوج مراحل قوتها في عهد السلطان سليمان القانوني الذي امتدت سلطته حتى حاصر أسوار العاصمة النمساوية فيينا (عام 1529م)- باكورة انحسار المد الإسلامي، ولكن جوهر الفكرة من أساسها لا ينبغي أن يتم التطرق له مع إغفال حقيقة أن ابن نبي (1905-1973) عاش مرحلة انتهاء الاستعمار، وبالتالي عاصر تلك المشكلات الجمة التي اعترضت جهود التنمية والتطور في العالم الإسلامي.
ففي مصر على سبيل المثال -وهي قلب العالم العربي على الأقل- عايش ابن نبي تقهقر القيم المجتمعية على الرغم من ضخامة شعارات المرحلة الناصرية؛ إذ إن نظام الرئيس عبدالناصر -وإن استطاع فعلا التخلص من الوجود الأجنبي على أرضه- إلاّ أنه في المقابل لم يستطع تحقيق الشيء الكثير؛ فلقد اكتشف أن مشكلات المصريين هي أعمق بكثير من ذلك النوع الذي ينتهي بخروج البريطانيين أو استعادة السلطة على قناة السويس.
أما في سوريا فلا شك أن ابن نبي قد ذُهل من ذلك العدد غير القابل للحصر من الانقلابات وغياب الاستقرار السياسي بغض النظر عن الاقتصادي؛ فالنظام هنالك لم يترسخ إلاّ بعد انقلاب حافظ الأسد في 1971 أي قبل عامين فقط من وفاة مالك بن نبي، ومع ذلك لاتزال سوريا حتى الساعة -على الرغم من كل ما تمتلكه من طاقات طبيعية وثقافية وفكرية- عاجزة عن تحقيق التقدم الحقيقي.
ولم يختلف الوضع في العراق كثيراً أيضاً، فهذا البلد الذي كان يمتلك مقومات النهضة وشروطها، تراجع في الأربعين سنة الأخيرة إلى حد من التخلف غير المتوقع، وزاد الطين بلة تلك المؤامرات التي حيكت ضده ليبلغ هذا الواقع الحالي الذي بات العهد الدكتاتوري الصدّامي فيه، حلماً جميلاً يراود مخيلة العراقيين وجيرانهم على السواء!
في وسعنا أن نمضي وفق هذا المنوال فنقف على العجز الذي أضحى قاسماً مشتركاً بين الغالبية الساحقة من دولنا؛ فباكستان لاتزال ذليلة على الرغم من أنها تحوز السلاح الإستراتيجي الذي يُفترض أنه يمنحها القدرة على تحسين شروط التفاوض مع الأصدقاء والأعداء، في حين أن دول المغرب هي الأخرى تعيش عزلة عن المشرق وتوجسات جمة فيما بينها، إلى درجة أن الجزائر والمغرب الأقصى مثلاً صارتا تتنافسان على اقتناء مقاتلات سوخوي وإف 16 لا لشيء سوى بسبب قدم الخلاف المصطنع بين النخب الحاكمة في الجزائر والرباط!
من البديهي لنا أن نعترف أخيراً أن مالك بن نبي حينما طرح فكرته كان يقصد بها تلك العوامل التي تغري الآخرين على استعمارنا ولم يكن يقصد -كما تفيد الترجمة العربية- رغبة شعوبنا ودولنا في أن تصير مستعمَرة؛ فالرجل عاصر حركات التحرر، وشاهد بأم عينه -وهو المفكر المدقق- كيف تخلف المشروع التنموي عن ركب المشروع التحريري، وبالتالي فإنه -و بمناسبة ذكرى رحيله السادسة و الثلاثين- يمكننا أن نرى كيف أن ذلك لم يتغير كثيراً، بل إن ما وقع هو العكس: لقد توقفت التنمية، وتراجع التحرر لحساب مشاريع التبعية والارتباط بالخارج و الأمثلة هنا كثيرة، و لا داعي لسوقها، و إن كانت بعض مشاريع العمالة صارت تسمى حالياً على وزن الواقعية و البراغماتية، و ما إلى ذلك من تبريرات!
باختصار، أنا من الذين يؤمنون بأن مالك بن نبي، لو قُدر له أن يعيش حتى اليوم لكان ربما قد طوّر فكرته هذه من كوننا مجرد دول تملك الاستعداد لتقع تحت نير الاستعمار، إلى القول إننا دول تصرّ على التخلف، وترفض الحرية والاستقلال!!